ذكريات مدرسية

كتبهاأبو مؤيد ، في 12 سبتمبر 2006 الساعة: 16:25 م

في هذا الأسبوع الأول من بداية المدرسة في السعودية عاد بي الزمن للوراء وتغلغلت في أعماق ذاكرتي اقلّب صفحات الماضي لأجد فيها من المواقف مالم يستطع لين الأيام وقسوتها محوه من الذاكرة…. يالها من ذكريات قاسية ولكن مع كل ذلك لا أدري لماذا تحتضنها ذاكرتي وتأبى نسيانها

وبمروري على صفحات الماضي الدفين في أعماقي قررت البوح ببعض ما تختزنه هذه الذاكرة … لا ادري لماذا؟ هل هو من أجل تجنبها في المستقبل والاستفادة من الأخطاء؟ أم لأجل الضحك والتندّر؟ أم لأجل البحث عن أسباب النجاحات الناتجة عن ردة فعل عكسية وليس مسيرة طبيعية؟ كل ذلك محتمل

الموقف الأول الذي يكاد ينفلت من ذاكرتي كلما فتحت خزينتها ليجد طريقه للفضاء بسبب كبته الشديد لعله يعود من جديد ليصرخ في وجه المعلم ..لا ..لا ..لا يمكنك عمل ذلك ايها المعلم. هذا الموقف تبداء أحداثه منذ لحظات خروجي الأولى من البيت باتجاه المدرسة حيث كنت مدفوعا بالقوة من حضن أمي حيث كان عمري آنذاك خمسة أعوام وكان والدي يحاول إبقائي في البيت بينما قوة أمي ومباركة عمي طغت على عاطفة الأبوة عند أبي وانتهى بي أمام بوابة المدرسة التي يزدحم فيها الطلاب وفيها تعلو الصرخات بين بكاء ومناداة وبين ضحكات وقهقهات ولكن أذني في ذلك الوقت لا تحسن سوى التقاط نغمات البكاء المتنوعة … ربما لكوني قريب منها في الطابور كوننا جميعا ذاهبون للصف الأول الابتدائي… وربما لكوننا لا نرى سوى ما يشاركنا فيه الآخرين ونصم آذننا وأعيننا  عن الاختلافات بيننا… وربما … وربما … لآ أدري لماذا ولكن طفل صغير يزج به في سجن مزدحم ليس فيه مكان للعب أو مرح أو غير ذلك … فالكل يرى انك شاطر وممتاز وسوف تأخذ الأول على الصف وزرعوا في داخلي منذ ذلك الوقت حب المركز الأول حتى أصبحت أظن أن من يحصل على المركز الثاني فاشلاً…. يالها من تربية تنافسية مقيته!!؟

بعد الانتهاء من توزيعنا على الطوابير وعزلنا في الفصول، أجلسنا المعلم على الكراسي حيث قام بتوزيعنا في الصف بناءا على طول قامتنا والذي لم يحالفني الحظ بأن أكون طويل القامة لأكون بعيدا عن عين المعلم الذي أرى فيه كل مواصفات الرعب والجبروت…. استسلمت لقدري وجلست في الكرسي الأول في الصف وبجانبي طفل آخر يعتليه الخوف مما زاد خوفي  من المعلم الذي أراه يتجوّل بيننا وفي يده عصاً ناعمة ولكن لسعتها تبدو حارّة. بدأ يتحدّث إلينا بكلام لا أستطيع فهمه فلم أعتد على سماعه من قبل… فهو يتكلّم بالفصحى "كما علمت لاحقا" ، وبعد مرور برهة من الزمن لا أدري كم هي ولكن ربما لمدة ربع أن ثلث ساعة بدأ يضحك لنا مما أعطى لنا نوعا من الطمأنينة وبدأ الأطفال يضحكون ويسألون المعلم عن أشياء مختلفة … وفي هذه اللحظات تجرّأت و خرجت عن صمتي الذي تلى بكائي الشديد في الصباح وقلت للمعلم هل يوجد طاولة أصغر من هذه الطاولة التي أجلس عليها لأنها كانت مرتفعة جدا لا أستطيع وضع رأسي عليها كما يفعل من يجلس في الخلف من الأطفال… ويا ليتني لم اسأل … لقد قال لي كلام لم أفهمه ولكن عرفت بأنه يقصد أنني قصير ويجب أن أكبر حتى أستطيع الجلوس على هذه الطاولة التي هي نفسها التي يجلس عليها طالب الصف الثالث الثانوي….. ضحك الأطفال على التعليق الذي قاله المعلم وشعرت حينها بأنني وحيدا وبدأت أبكي من جديد ولكن هذه المرة بكيت بكاءا متواصلا أجبر المعلم على إرسالي للإدارة التي بدورها قامت بتوصيلي للبيت .. وعندما أخبرت أمي بما قال المعلم قالت لي أنت شاطر وبتكبر وتصير مثل الأطفال الآخرين  … فقلت لها لن أهذب للمدرسة مرة أخرى ولكن أبي طلب نقلي من الصف إلى صف آخر ومعلم آخر وأطفال آخرين لا يعرفون ماذا قال المعلم عنّي مما جعل الأطفال يضحكون عليّ…. ومنذ ذلك الوقت قررت عدم السؤال وعدم المطالبة بحقي حتى تخرّجت من الجامعة خوفا من أن يضحك عليّ أحد …. وبعد الجامعة أصبحت أطالب بكل صغيرة وكبيرة من حقيّ حتى أنني صرت أراها وكأنها ردة فعل عكسي بحيث أصبح التسامح والتغافل عن الأخطاء مفقودا لا أعرفه فكل ما أعرف أن يأخذ كل إنسان حقه.

وفي النهاية أريد أن أقول للمعلم ..لماذا فعلت ذلك؟ لماذا لا تراعي صغر السن وبراءة الطفولة؟ لماذا تحمل العصا وترعبنا بها؟ لماذا تجلسنا ثلاث ساعات متواصلة على الكراسي دون حراك؟ لماذا تمنعنا من السؤال؟ لماذا تفرض علينا متى نتحدّث ومتى نسكت ومتى نضحك ومتى نأكل حتى بحجة النظام المدرسي؟ لماذا تضربنا بحجة عدم فهمنا للدرس؟

يالها من ذكريات قاسية ….. نراكم مع موقف آخر في القريب إن شاء الله

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تعليم | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “ذكريات مدرسية”

  1. ما أحلاها من فترة بحلوها ومرها فرحها وبكاءها…وددت لو رجعت بي السنون الى تلك الفترة رغم انها لم تكن كلها سعيدة…. لكنه الحنين الى الماضي والى الشقاوة وراحة البال

    ذكرى جميلة أخي مؤيد وفي انتظار ذكرى أخرى من ذكرياتك تقبل تحياتي

  2. السلام عليكم يا أخي attaarik

    نعم إنها جميلة ربما لأننا لسنا مطالبين بتحمل المسؤولية وتبعاتها…. من هذا الجانب فعلا إنها راحة بال

  3. العزيز ابو مؤيد

    شكرا لمرورك السابق

    وعذرا لتأخر الرد

    دمت بخير

    واتمنى لك التوفيق



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر